منفستو الغُربة
أربعة أعوام مضت منذ أن غادرت السودان، وما زلت حتى اليوم أعجز عن فهم كيف يمكن للإنسان أن يكون حاضرًا وغائبًا في الوقت نفسه. حاضرًا بصوته وصورته ورسائله اليومية، وغائبًا بجسده ودفئه وكل ما يجعل اللقاء لقاءً حقيقيًا.
كلما رنّ الهاتف وظهرت وجوه أهلي وأصدقائي على الشاشة، أشعر بفرحة قصيرة العمر، فرحة تشبه أن يطل عليك الوطن من نافذة صغيرة ثم يغيب من جديد. أبتسم، أسألهم عن أحوالهم، أشاركهم بعض تفاصيل أيامي، لكن شيئًا في داخلي يظل صامتًا، كأنه يعرف أن ما أراه ليس إلا ظلًا باهتًا لما أحتاجه حقًا.
لقد أصبحت مكالمات الفيديو جزءًا من حياتي، لكنها لم تصبح يومًا بديلًا عن الحياة نفسها. فما زلت أفتقد ذلك الشعور الذي لا يمكن تصويره أو نقله عبر الإنترنت؛ شعور أن تدخل البيت فتجد أمك هناك، أن تجلس بين إخوتك دون سبب، أن تلتقي بأصدقائك مصادفةً لا موعدًا، أن تسمع الضحكات وهي تملأ المكان لا سماعة الهاتف.
أفتقد السودان في الناس أكثر مما أفتقده في الجغرافيا. أفتقد الوجوه التي كبرت معها، والأرواح التي كانت تعرفني قبل أن أتعلم كيف أخفي تعبي خلف عبارة "أنا كويس". أفتقد تلك الطمأنينة التي يمنحها وجود الأحبة حولك، حتى عندما لا يدور بينكم حديث. فبعض العلاقات لا تحتاج إلى الكلام بقدر ما تحتاج إلى الحضور.
وأحيانًا ينتابني خوف خفي؛ خوف من أن أعتاد هذا النقص. أن أقتنع مع الزمن بأن رؤية أخوتي وأمي وأصدقائي عبر شاشة كافية، أو أن تصبح المناسبات والأعياد مجرد مكالمات جماعية، أو أن أتعلم الرضا بمشاهدة من أحبهم بدل أن أعيش بينهم. لا لأن هذه الوسائل سيئة، بل لأن قلبي يعرف أن هناك فرقًا شاسعًا بين أن ترى إنسانًا وأن تكون معه.
فالعناق ليس رفاهية، والوجود ليس تفصيلًا زائدًا يمكن الاستغناء عنه. هناك أوجاع لا يخففها إلا كتف قريب، وأفراح لا تكتمل إلا بوجوه تجلس حولك، وأيام ثقيلة لا تحتاج فيها إلى نصيحة أو مكالمة، بل إلى شخص تحبه يجلس بجانبك فحسب.
لهذا لا أشعر بالامتنان للتقنية لأنها عوضت الغياب، بل لأنها منعت الغياب من أن يكون كاملًا. أما التعويض الحقيقي فما زال مؤجلًا إلى ذلك اليوم الذي أعود فيه فأرى الأحبة بلا شاشة، وأسمع أصواتهم بلا سماعات، وأصافحهم دون أن تتدخل المسافات بين أيدينا.
حتى ذلك الحين، سأظل أجيب على المكالمات بشوق، وأغلقها بشوق أكبر. لأن بعض الحاجات الإنسانية أعمق من أن تُختصر في صورة، وأصدق من أن تُحتوى داخل إطار شاشة. ولأن الوطن، في النهاية، ليس مكانًا نعود إليه فحسب، بل أناسًا لا يكف القلب عن الحنين إلى حضورهم مهما طال الغياب.
الفاتح صديق سليمان
بروكسل
18.6.2026